|
بسم الله الرحمن الرحيم
مــوســوعــة
التـــاريـــخ الاســــلامي
كتاب أخبار
الماضين
من بني إسرائيل وغيرهم إلى آخر زمن الفترة سوى
أيام العرب وجاهليتهم، فإنا سنورد ذلك بعد فراغنا من هذا الفصل إن شاء
الله تعالى. قال الله تعالى: كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ
مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا وقال: نَحْنُ
نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا
الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ .
خبر ذي
القرنين
قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي
الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا
مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا
فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا
تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا
ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ
فِيهِمْ حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ
يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ
آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ
مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ
مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ
لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا
لَدَيْهِ خُبْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ
السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ
يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ
وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا
عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا
مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى
إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا
جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا
اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ
هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ
دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا .
ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا، وأثنى عليه بالعدل وأنه بلغ المشارق
والمغارب وملك الأقاليم وقهر أهلها، وسار فيهم بالمعدلة التامة
والسلطان المؤيد المظفر المنصور القاهر المقسط. والصحيح، أنه كان ملكا
من الملوك العادلين، وقيل: كان نبيا. وقيل: كان رسولا. وأغرب من قال:
ملكا من الملائكة. وقد حكى هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فإنه
سمع رجلا يقول لآخر: يا ذا القرنين، فقال: مه، ما كفاكم أن تتسموا
بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. ذكره السهيلي.
وقد روى وكيع، عن إسرائيل عن جابر عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال:
كان ذو القرنين نبيا. وروى الحافظ ابن عساكر من حديث أبي محمد بن أبي
نصر، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي ثابت، حدثنا محمد بن
حماد، أنبأنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري، عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أدري أتبع كان لعينا
أم لا، ولا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا، ولا أدري ذو القرنين كان
نبيا أم لا وهذا غريب من هذا الوجه. وقال إسحاق بن بشر، عن عثمان بن
الساج عن خصيف عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان ذو القرنين ملكا صالحا،
رضي الله عمله، وأثنى عليه في كتابه، وكان منصورا، وكان الخضر وزيره.
وذكر أن الخضر، عليه السلام، كان على مقدمة جيشه وكان عنده بمنزلة
المشاور الذي هو من الملك بمنزلة الوزير في اصلاح الناس اليوم. وقد ذكر
الأزرقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل، وطاف معه
بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل، عليه السلام. وروي عن عبيد بن عمير،
وابنه عبد الله وغيرهما، أن ذا القرنين حج ماشيا، وأن إبراهيم لما سمع
بقدومه تلقاه ودعا له ورضاه، وأن الله سخر لذي القرنين السحاب يحمله
حيث أراد. والله أعلم.
واختلفوا في السبب الذي سمى به ذا القرنين؛ فقيل: لأنه كان له في رأسه
شبه القرنين. وقال وهب بن منبه كان له قرنان من نحاس في رأسه. وهذا
ضعيف. وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك فارس والروم. وقيل: لأنه بلغ قرني
الشمس غربا وشرقا، وملك ما بينهما من الأرض. وهذا أشبه من غيره، وهو
قول الزهري. وقال الحسن البصري كانت له غديرتان من شعر يطأ فيهما؛ فسمي
ذا القرنين. وقال إسحاق بن بشر، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن عمر
بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: دعا ملكا جبارا إلى الله فضربه على
قرنه فكسره ورضه، ثم دعاه فدق قرنه الثاني، فكسره، فسمي ذا القرنين.
وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن علي بن أبي طالب
أنه سئل عن ذي القرنين فقال: كان عبدا ناصح الله فناصحه، دعا قومه إلى
الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله فدعا قومه إلى الله فضربوه على
قرنه الآخر فمات، فسمي ذا القرنين. وهكذا رواه شعبة، عن القاسم بن أبي
بزة، عن أبي الطفيل، عن علي به. وفي بعض الروايات، عن أبي الطفيل عن
علي قال: لم يكن نبيا ولا رسولا ولا ملكا، ولكن كان عبدا صالحا.
وقد اختلف في اسمه؛ فروى الزبير بن بكار عن ابن عباس: كان اسمه عبد
الله بن الضحاك بن معد. وقيل: مصعب بن عبد الله بن قنان بن منصور بن
عبد الله بن الأزد بن غوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن
قحطان.
وقد جاء في حديث أنه كان من حمير، وأمه رومية، وأنه كان يقال له: ابن
الفيلسوف؛ لعقله. وقد أنشد بعض الحميريين في ذلك شعرا يفخر بكونه أحد
أجداده فقال:
قد كان ذو القـرنين جـدي مسلما
ملكا تـدين لـه الملوك وتحشـد
بلـغ المشـارق والمغارب يبتغي
أسباب أمـر مـن حـكيم مرشـد
فرأى مغيـب الشمس عند غروبها
في عيـن ذي خـلب وثأط حرمد
من بعـده بلقيس كـانت عمتـي
ملكتهم حــتى أتاهــا الهدهـد
قال السهيلي: وقيل: كان اسمه مرزبى بن مرزبة، ذكره ابن هشام وذكر في
موضع آخر أن اسمه الصعب بن ذي مراثد. وهو أول التبابعة، وهو الذي حكم
لإبراهيم في بئرالسبع. وقيل: إنه أفريدون بن أسفيان، الذي قتل الضحاك.
وفي خطبة قس: يا معشر إياد، أين الصعب ذو القرنين ملك الخافقين، وأذل
الثقلين، وعمر ألفين، ثم كان كلحظة عين، ثم أنشد ابن هشام للأعشى:
والصعب ذو القـرنين أصبح ثاويا
بالحنو فـي جـدث أميـم مقيـم
وذكر الدارقطني وابن ماكولا أن اسمه هرمس. ويقال: هرويس بن فيطون بن
رومي بن لنطي بن كسلوجين بن يونان بن يافث بن نوح. فالله أعلم. وقال
إسحاق بن بشر عن سعيد بن بشير، عن قتادة قال: إسكندر هو ذو القرنين،
وأبوه أول القياصرة، وكان من ولد سام بن نوح، عليه السلام. فأما ذو
القرنين الثاني فهو إسكندر بن فيليبس بن مضريم بن هرمس بن هردس بن
ميطون بن رومي بن لنطي بن يونان بن يافث بن نونة بن سرحون بن رومة بن
ثرنط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن
إبراهيم الخليل. كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه"، المقدوني
اليوناني المصري، باني إسكندرية، الذي يؤرخ بأيامه الروم، وكان متأخرا
عن الأول بدهر طويل، كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، وكان
أرسطاطاليس الفيلسوف وزيره، وهو الذي قتل دارا بن دارا، وأذل ملوك
الفرس وأوطأ أرضهم. وإنما نبهنا عليه؛ لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما
واحد، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيره، فيقع بسبب
ذلك خطأ كبير وفساد عريض طويل كثير، فإن الأول كان عبدا مؤمنا صالحا
وملكا عادلا، وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا.
وأما الثاني، فكان مشركا، وكان وزيره فيلسوفا، وقد كان بين زمانيهما
أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا، لا يستويان ولا يشتبهان، إلا على
غبي لا يعرف حقائق الأمور.
قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ كان سببه أن قريشا
سألوا اليهود عن شيء يمتحنون به علم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالوا لهم: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية خرجوا لا يدري ما
فعلوا. فأنزل الله تعالى قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين. ولهذا قال:
قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا أي؛ من خبره وشأنه ذكرا أي؛
خبرا نافعا كافيا في تعريف أمره وشرح حاله فقال: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ
فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا أي؛ وسعنا
مملكته في البلاد وأعطيناه من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما
يحاوله من المهمات العظيمة والمقاصد الجسيمة.
قال قتيبة، عن أبي عوانة عن سماك عن حبيب بن حماز قال: كنت عند علي بن
أبي طالب وسأله رجل عن ذي القرنين، كيف بلغ المشرق والمغرب؟ فقال: سخر
له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له في النور. وقال: أزيدك؟ فسكت الرجل،
وسكت علي، رضي الله عنه.
وعن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن عبد الله الوادعي، سمعت معاوية
يقول: ملك الأرض أربعة؛ سليمان بن داود النبي، عليهما السلام، وذو
القرنين، ورجل من أهل حلوان ورجل آخر. فقيل له: الخضر؟ قال: لا.
وقال الزبير بن بكار حدثني إبراهيم بن المنذر عن محمد بن الضحاك، عن
أبيه عن سفيان الثوري قال: بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان
وكافران؛ سليمان النبي، وذو القرنين، ونمرود، وبخت نصر. وهكذا قال سعيد
بن بشير، سواء.
وقال إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن الحسن قال: كان
ذو القرنين ملك بعد النمرود، وكان من قصته أنه كان رجلا مسلما صالحا
أتى المشرق والمغرب، مد الله له في الأجل ونصره حتى قهر البلاد واحتوى
على الأموال، وفتح المدائن وقتل الرجال وجال في البلاد والقلاع، فسار
حتى أتى المشرق والمغرب، فذلك قول الله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي
الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا أي؛ خبرا
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
سَبَبًا أي؛ علما بطلب أسباب المنازل.
قال إسحاق: وزعم مقاتل أنه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز، فمن اتبعه
على دينه وتابعه عليه، وإلا قتله. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير،
وعكرمة وعبيد بن يعلى والسدي، وقتادة والضحاك وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ سَبَبًا يعني علما. وقال قتادة ومطر الوراق: معالم الأرض
ومنازلها وأعلامها وآثارها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني
تعليم الألسنة، كان لا يغزو قوما إلا حدثهم بلغتهم.
والصحيح أنه يعم كل سبب يتوصل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها؛
فإنه كان يأخذ من كل إقليم من الأمتعة والمطاعم والزاد ما يكفيه،
ويعينه على أهل الإقليم الآخر.
وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث ألفا وستمائة سنة يجوب الأرض، ويدعو أهلها
إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي كل هذه المدة نظر. والله أعلم.
وقد روى البيهقي وابن عساكر حديثا متعلقا بقوله: وَآتَيْنَاهُ مِنْ
كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا مطولا جدا، وهو منكر جدا. وفي إسناده محمد بن
يونس الكديمي وهو متهم، فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا. والله أعلم.
وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا أي؛ طريقا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ
الشَّمْسِ يعني من الأرض، انتهى إلى حيث لا يمكن أحدا أن يجاوزه، ووقف
على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له: أوقيانوس الذي فيه الجزائر
المسماة بالخالدات، التي هي مبدأ الأطوال، على أحد قولي أرباب الهيئة،
والثاني من ساحل هذا البحر كما قدمنا. وعنده شاهد مغيب الشمس -فيما رآه
بالنسبة إلى مشاهدته- تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ والمراد بها البحر
في نظره، فإن من كان في البحر أو على ساحله يرى الشمس كأنها تطلع من
البحر وتغرب فيه، ولهذا قال: وجدها أي؛ في نظره، ولم يقل: فإذا هي.
تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي؛ ذات حمأة. قال كعب الأحبار وهو الطين
الأسود. وقرأه بعضهم (حامية). فقيل: يرجع إلى الأول. وقيل: من الحرارة.
وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها.
وقد روى الإمام أحمد عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب، حدثني مولى
لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى الشمس حين غابت فقال: في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر
الله لأحرقت ما على الأرض فيه غرابة، وفيه رجل مبهم لم يسم، ورفعه فيه
نظر، وقد يكون موقوفا من كلام عبد الله بن عمرو، فإنه أصاب يوم اليرموك
زاملتين من كتب المتقدمين، فكان يحدث منها، والله أعلم.
ومن زعم من القصاص، أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس، وصار يمشي بجيوشه
في ظلمات مددا طويلة، فقد أخطأ، وأبعد النجعة، وقال ما يخالف العقل
والنقل.
بيان طلب ذي القرنين عين الحياة
وقد ذكر ابن عساكر من طريق وكيع عن أبيه، عن معتمر بن سليمان عن أبي
جعفر الباقر، عن أبيه زين العابدين خبرا مطولا جدا فيه أن ذا القرنين
كان له صاحب من الملائكة يقال له: رناقيل. فسأله ذو القرنين: هل تعلم
في الأرض عينا يقال لها: عين الحياة؟ فذكر له صفة مكانها، فذهب ذو
القرنين في طلبها وجعل الخضر على مقدمته، فانتهى الخضر إليها في واد في
أرض الظلمات، فشرب منها ولم يهتد ذو القرنين إليها. وذكر اجتماع ذي
القرنين ببعض الملائكة في قصر هناك، وأنه أعطاه حجرا، فلما رجع إلى
جيشه سأل العلماء عنه، فوضعوه في كفة ميزان، وجعلوا في مقابلته ألف حجر
مثله فوزنها، حتى سأل الخضر فوضع قباله حجرا، وجعل عليه حفنة من تراب
فرجح به، وقال: هذا مثل ابن آدم لا يشبع حتى يوارى بالتراب. فسجد له
العلماء تكريما له وإعظاما. والله أعلم.
ثم ذكر تعالى أنه حكمه في أهل تلك الناحية قُلْنَا يَا ذَا
الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ
حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ
إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا أي؛ فيجتمع عليه عذاب
الدنيا والآخرة، وبدأ بعذاب الدنيا؛ لأنه أزجر عند الكافر وَأَمَّا
مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ
لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا فبدأ بالأهم وهو ثواب الآخرة، وعطف عليه
الإحسان منه إليه، وهذا هو العدل والعلم والإيمان، قال الله تعالى
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا أي؛ سلك طريقا راجعا من المغرب إلى المشرق،
فيقال: إنه رجع في ثنتي عشر سنة حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ
الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ
دُونِهَا سِتْرًا أي؛ ليس لهم بيوت ولا أكنان يستترون بها من حر الشمس.
قال كثير من العلماء: ولكن كانوا يأوون، إذا اشتد عليهم الحر، إلى
أسراب قد اتخذوها في الأرض، شبه القبور. قال الله تعالى: كَذَلِكَ
وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا أي؛ ونحن نعلم ما هو عليه
ونحفظه ونكلؤه بحراستنا في مسيره ذلك كله من مغارب الأرض إلى مشارقها.
وقد روى عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله، وغيرهما من السلف، أن ذا
القرنين حج ماشيا، فلما سمع إبراهيم الخليل بقدومه، تلقاه، فلما اجتمعا
دعا له الخليل ووصاه بوصايا، ويقال: إنه جيء بفرس ليركبها فقال: لا
أركب في بلد فيه الخليل. فسخر الله له السحاب، وبشره إبراهيم بذلك،
فكانت تحمله إذا أراد.
قوله تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ
السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ
يَفْقَهُونَ قَوْلًا يعني غتما. فيقال: إنهم هم الترك، أبناء عم يأجوج
ومأجوج، فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم وأفسدوا في
بلادهم، وقطعوا السبل عليهم، وبذلوا له حملا وهو الخراج على أن يقيم
بينهم وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول إليهم، فامتنع من أخذ الخراج؛
اكتفاء بما أعطاه الله من الأموال الجزيلة قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ
رَبِّي خَيْرٌ ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالا وآلات ليبني بينهم
وبينهم سدا، وهو الردم بين الجبلين، وكانوا لا يستطيعون الخروج إليهم
إلا من بينهما، وبقية ذلك بحار مغرقة وجبال شاهقة، فبناه، كما قال
تعالى، من الحديد والقطر، وهو النحاس المذاب، وقيل: الرصاص. والصحيح
الأول، فجعل بدل اللبن حديدا، وبدل الطين نحاسا، ولهذا قال تعالى:
فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أي؛ يعلوا عليه بسلالم ولا غيرها
وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا أي؛ بمعاول ولا فؤس ولا غيرها، فقابل
الأسهل بالأسهل والأشد بالأشد قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي أي؛
قدر الله وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم
على من جاورهم في تلك المحلة فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي أي؛ الوقت
الذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان جَعَلَهُ دَكَّاءَ أي؛ مساويا
للأرض ولا بد من كون هذا، ولهذا قال: وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا كما
قال تعالى: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ
كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ الآية. ولذا
قال ههنا: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ يعني
يوم فتح السد، على الصحيح وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ
جَمْعًا وقد أوردنا الأحاديث المروية، في خروج يأجوج ومأجوج في
"التفسير" وسنوردها، إن شاء الله في كتاب "الفتن والملاحم" من كتابنا
هذا، إذا انتهينا إليه، بحول الله وقوته، وحسن توفيقه ومعونته وهدايته.
قال أبو داود الطيالسي عن الثوري: بلغنا أن أول من صافح، ذو القرنين.
وروي عن كعب الأحبار أنه قال لمعاوية: إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة
أوصى أمه؛ إذا هو مات أن تصنع طعاما، وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين
أيديهن، وتأذن لهن فيه، إلا من كانت ثكلى، فلا تأكل منه شيئا، فلما
فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه، فقالت لهن: سبحان الله! كلكن
ثكلى! فقلن: أي والله ما منا إلا من أثكلت. فكان ذلك تسلية لأمه. وذكر
إسحاق بن بشر، عن عبد الله بن زياد، عن بعض أهل الكتاب، وصية ذي
القرنين وموعظته أمه موعظة بليغة طويلة، فيها حكم وأمور نافعة، وأنه
مات وعمره ثلاثة آلاف سنة، وهذا غريب.
قال ابن عساكر: وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستا وثلاثين سنة، وقيل: كان
عمره ثنتين وثلاثين سنة، وكان بعد داود بسبعمائة سنة وأربعين سنة، وكان
بعد آدم بخمسة آلاف ومائة وإحدى وثمانين سنة، وكان ملكه ست عشرة سنة.
وهذا الذي ذكره إنما ينطبق على إسكندر الثاني لا الأول، وقد خلط في أول
الترجمة وآخرها بينهما، والصواب التفرقة كما ذكرنا، اقتداء بجماعة من
الحفاظ. والله أعلم.
وممن جعلهما واحدا الإمام عبد الملك بن هشام، راوي السيرة، وقد أنكر
ذلك عليه الحافظ أبو القاسم السهيلي، رحمه الله، إنكارا بليغا، ورد
قوله ردا شنيعا، وفرق بينهما تفريقا جيدا، كما قدمنا. قال: ولعل جماعة
من الملوك المتقدمين، تسموا بذي القرنين تشبها بالأول. والله أعلم.
|